حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

تستعد المحطة الطرقية القديمة “القامرة” في الرباط لبدء حياة جديدة، بعدما تقرر تحويل بنايتها الشهيرة إلى مكتبة وسائطية، فيما سيعاد تهيئة الفضاء المحيط بها ليصبح منتزها مفتوحا أمام العموم، في مشروع لا يكتفي بإعادة توظيف بناية توقفت عن أداء وظيفتها الأصلية، وإنما يسعى أيضا إلى الاحتفاظ بواحد من أكثر معالم الرباط ارتباطا بذاكرة السفر والتنقل بين المدن.

ويأتي المشروع بعد أكثر من ثلاثة أعوام على انتقال حركة النقل الطرقي للمسافرين إلى المحطة الطرقية الجديدة للرباط، التي دشنت في نوفمبر 2022، منهية بذلك عقودا من العمل بالنسبة إلى محطة “القامرة”، التي كانت تضم 38 رصيفا للحافلات، وتستقبل آلاف المسافرين يوميا.

Aucune description de photo disponible.

وبحسب المعطيات المنشورة، ستحتفظ عملية إعادة التأهيل بالهيكل المعماري الأساسي للمحطة، ولا سيما القبة الخرسانية الشهيرة التي يبلغ قطرها نحو 50 مترا، والتي جعلت من المبنى علامة معمارية مميزة في الرباط. ومن المنتظر أن تحتضن البناية الجديدة فضاءات للقراءة والبحث، وأرشيفا ومنشورات نادرة، وقاعات للدراسة الرقمية، إلى جانب فضاءات للمعارض والندوات والأنشطة الثقافية. كما ستتم إزالة المحلات والإضافات التي أقيمت حول المبنى، وإعادة تنظيم محيطه في إطار فضاء مفتوح ومنتزه عمومي.

مشروع بكلفة نحو 50 مليون درهم

وتبلغ قيمة صفقة أشغال تحويل المحطة إلى مكتبة وسائطية نحو 49.457 مليون درهم، وقد أسندت إلى شركة ENGOR – Engineering de l’Oriental، عقب طلب منافسة أطلقته شركة “الرباط جهة للتهيئة” في أكتوبر 2025. وتشير المعطيات المتاحة إلى أن مدة إنجاز الأشغال محددة في نحو سنتين، ما يضع موعد إنجاز المشروع في أفق 2027.

أما العقار الذي كانت تشغله المحطة القديمة، فقد كانت مساحته موضوع نقاش عقاري خلال السنوات الماضية، وتقدر بنحو 3953 مترا مربعا. وكانت هذه الوضعية قد أثارت جدلا في 2024 بعدما طُرح العقار للبيع بالمزاد العلني، قبل أن تتجه عملية إعادة توظيف الموقع نحو الحفاظ على البناية وإدماجها في مشروع ذي وظيفة ثقافية.

Aucune description de photo disponible.

لكن القيمة الأبرز للمشروع لا تختزل في أرقامه أو في الوظيفة الجديدة التي ستؤديها البناية. فـ”القامرة” ليست مجرد محطة حافلات قديمة انتهى دورها مع تحديث شبكة النقل في العاصمة. إنها مكان ارتبط بذاكرة أجيال من المغاربة، وبدايات السفر ونهاياته، وبمشاهد الوداع والاستقبال، وبانتظار الحافلات وتدافع المسافرين وأصوات الباعة والناقلين وإعلانات الرحلات، وبذلك النوع من التفاصيل اليومية التي لا تظهر في السجلات الرسمية، لكنها تبقى راسخة في ذاكرة المدن وسكانها.

“القامرة” جزء من الذاكرة الجماعية للرباط

على مدى سنوات طويلة، مر من هذا المكان ملايين المسافرين المتوجهين إلى مختلف مناطق المغرب والعائدين منها. كانت “القامرة” بالنسبة إلى كثيرين أكثر من نقطة انطلاق ووصول؛ كانت بوابة نحو مدن أخرى، ومحطة في مسارات الدراسة والعمل والهجرة الداخلية والزيارات العائلية والعطل والمناسبات. ولذلك فإن الإبقاء على بنايتها الأساسية، بدلا من هدمها واستبدالها بمنشأة جديدة، يمنح المشروع بعدا يتجاوز إعادة استعمال العقار إلى حفظ جزء من الذاكرة الجماعية للرباط.

وتكتسب الهندسة المعمارية للمبنى أهمية خاصة في هذا السياق. فالمحطة، التي شيدت بين 1977 و1982 من تصميم المهندس المعماري عبد العالي بنيس، تعد من النماذج اللافتة للعمارة الخرسانية في المغرب، وتتميز بقبتها الواسعة التي تحولت مع مرور الوقت إلى صورة ملازمة للمكان في ذاكرة سكان العاصمة وزوارها.